المقريزي
142
المقفى الكبير
المعروف بنائب الكرك - ويلقّب البرناق لكبر أنفه - أحد المماليك المنصوريّة قلاوون . ترقّى في خدمته إلى أن أنعم عليه بإمرة عشرة في سنة خمس وثمانين وستّمائة ، وجعله أستادار ابنه الملك الأشرف خليل ، وابن الخليليّ ناظر ديوانه . فاستمرّ على ذلك إلى أن مات الملك المنصور وقام من بعده الأشرف خليل ، فولّاه نيابة الكرك عوضا عن بيبرس الدوادار في ربيع الآخر سنة تسعين وستّمائة ، وهو على حصار عكّا ، وأنعم عليه بإمرة مائة فارس ودار طبلخاناته بين الخيم [ . . . ] . فأقام في نيابة الكرك إلى أن قدم إليها الملك الناصر محمد بن قلاوون في شوّال سنة ثمان وسبعمائة فقام بخدمته . فاحتال عليه حتى صيّره إلى مصر ، فأنعم عليه الملك المظفّر بيبرس بإقطاع بتخاص « 1 » المنتقل إلى إقطاع برلغي الأشرفيّ بحكم أنّه انتقل إلى إقطاع بيبرس قبل السلطنة . فلم يزل بمصر إلى أن زالت أيّام المظفّر وعاد الملك الناصر إلى السلطنة مرّة ثانية فأقرّه على حاله . ثمّ بعثه نائب السلطنة بدمشق عوضا عن كراي المنصوريّ بعد ما خلع في مستهلّ جمادى الآخرة سنة إحدى عشرة وسبعمائة وكتب على يده مسموحا « 2 » لأهل دمشق بما كان قرّره عليهم كراي ، فسرّ الناس به . ولم يزل إلى أن قدم عليه سودي نائب حلب في ربيع الأوّل سنة اثنتي عشرة فتلقّاه وقام له بما يجب . وعند وداعه لمسيره إلى حلب ناوله ملطفا سلطانيّا ، فإذا فيه تشوّق السلطان إليه ، وأنّه ما هان عليه غيبته عنه ، ويستدعيه الحضور . فبادر وركب في ثلاثة مماليك من غير أن يعلم به أحد من أمراء دمشق . وساق البريد إلى مصر ، وصعد قلعة الجبل فأكرمه السلطان وخلع عليه ، وجلس رأس الميمنة ، والبوبكريّ رأس الميسرة . وكان إذا دخلا إلى الخدمة قام لهما السلطان فيقبّلان له الأرض ، ويجلس كلّ واحد منهما في رتبته ، فاستمرّ ذلك أيّاما . ثم قبض عليه في يوم الاثنين [ 210 أ ] ثاني ربيع الآخر هو وبيبرس المنصوريّ نائب السلطنة ، وسنقر الكماليّ ، ولاجين الجاشنكير ، وبينجار ، والركن الأشرفيّ ، ومغلطاي المسعوديّ ، وسجنوا ، وكان يوما مهولا ، وولي الأمير تنكز نيابة دمشق عوضه . فلم يزل في السجن إلى أن أفرج عنه في ثامن عشرين شهر رجب سنة خمس عشرة وسبعمائة ، وخلع عليه وأعطي [ 213 ب ] إقطاع الأمير حسام الدين قرالاجين الأستادار بعد موته في ثالث عشر شعبان منها . واستمرّ بجلس رأس الميمنة ، والأمير بكتمر البوبكري رأس الميسرة . فلمّا كانت سنة تسع عشرة استجدّ السلطان القيام من على كرسيّ السلطنة له وللبوبكري « 3 » ، فكان نائب الكرك يتقدّم على البوبكريّ تأدّبا معه عند تقبيل يد السلطان فلا يسهل هذا بالأمراء لما يعلمو [ ن ] ه من جلالة قدره وتقدّمه في الدولة ، ويرون أنّ هذا من سلامة صدره وسذاجته . ثم سألوا السلطان عن ذلك لعلمهم أنّ العادة جرت أن يتأخّر الكبير في تقبيل يد السلطان ويتقدّمه الصغير ، فكشف عن تاريخ ابتداء إمرتهما فوجد إمرة البوبكري بعده في سلطنة الملك الأشرف سنة تسعين وستّمائة .
--> ( 1 ) في مخطوطنا : بدخاص . ( 2 ) المسموح ما يعيّنه السلطان للأشخاص أو الجماعات من المال ، السلوك 2 / 19 هامش 5 . ( 3 ) النجوم 9 / 57 .